ابن عجيبة
247
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ ، فألقاها ، فصارت ثعبانا عظيما ، على قدر الجبل ، وقيل : إنه طال حتى جاوز النيل ، فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ أي : تبتلع ما يَأْفِكُونَ ما يزوّرونه من إفكهم وكذبهم . روى أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم ، وكانت ملأت الوادي ، فابتلعتها بأسرها ، أقبلت على الحاضرين ، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم ، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت ، فقال السحرة : لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا . فَوَقَعَ الْحَقُّ أي : ثبت بظهور أمره ، وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ أي : صاروا أذلاء مبهوتين ، أو انقلبوا إلى المدينة مقهورين . ولما رأى السحرة ذلك علموا أنه ليس من طوق البشر ، وليس هو من السحر ، فتحققوا أنه من عند اللّه ، فآمنوا ، كما أشار إليه بقوله : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 120 إلى 126 ] وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 120 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 121 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 122 ) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 123 ) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 124 ) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 125 ) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 ) يقول الحق جل جلاله : وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ على وجوههم ساجِدِينَ لما عرفوا الحق وتحققوا به ، فآمنوا ؛ لأن الحق بهرهم ، واضطرهم إلى السجود بحيث لم يتمالكوا ، أو ألهمهم اللّه ذلك وحملهم عليه ، حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى ، وينقلب الأمر عليه . قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ . رَبِّ مُوسى وَهارُونَ أبدلوا الثاني من الأول ؛ لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون . قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ أي : بالله أو بموسى ، قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ، إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ أي : إن هذه لحيلة صنعتموها أنتم وموسى فِي الْمَدِينَةِ ؛ في مصر ، ودبرتموها قبل أن تخرجوا للميعاد ؛ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها أي : القبط ، وتخلص لكم ولبنى إسرائيل ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة ما صنعتم .